هشام جعيط
287
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الحنطة والزيوت « 1 » . وفي واسط ، صممت الأسواق بتخصصات متميزة ، مما يفترض أن الوضع كان على ذلك النحو في الكوفة حيث استقر الباعة في أطناف غطتها الحصر وقامت على أوتاد ( المرجح أنها كانت من قصب ) « 2 » . وتندرج بادرة خالد المتمثلة في بناء أسواق الكوفة ، وهي الأولى من نوعها في الإسلام ، تندرج ضمن سياق عظمت خلاله المبادلات ، نعني سياق الازدهار الاقتصادي . لكن هذه البادرة ترتبط كذلك بإرادة البناء والتنظيم . فقد جدد مقصورة المسجد « 3 » التي بناها زياد ، وأمر بحفر القنوات منها النهر الجامع ، مواصلا بعمله كله الجهد الهائل الذي شرع فيه الوليد بن عبد الملك الذي مثل تحولا حاسما في الانطلاقة المعمارية الإسلامية . لكن خالدا كان صاحب أعمال ميالا إلى المشاريع النفعية . كانت المصادر مقتضبة في تدوينها الحدث . قال البلاذري : « وبنى خالد حوانيت أنشأها وجعل سقوفها أزاجا معقودة بالآجر والجصّ » « 4 » . أما اليعقوبي فإنه قال : « إنه بنى الأسواق وجعل لأهل كل بياعة دارا وطاقا وجعل غلالها للجند » ( أي لجيش الشام ) « 5 » . ولم يقل الطبري شيئا عن هذه الأسواق المركزية ، لكنه أشار إشارة خاطفة إلى فكرة اتساعها في الخطط . واستمد ماسينيون نظريته عن مركزية الأسواق منها ، وهو يرى أن أسواق الكوفة « لا شك أنها كانت نماذج لأسواق بغداد » « 6 » . إنه رأي صائب جدا لا سيما أن الأسواق الأولى في بغداد أقيمت في طاقات مركب الأبواب . وقد أمر أوائل العباسيين ببناء الطاقات بالهاشمية « 7 » . لكن تهيئة الأماكن في بغداد والكوفة لم تكن متماثلة حيث انتشرت الأسواق في الكوفة على قطعة واحدة في الخلاء ، قريبا من المسجد ، فتمتعت حقا بمركزية كاملة . وهو نموذج افتقدته بغداد وأسواقها إلى حد ما ، في حين أن أسواق الكوفة اكتست طابعا نموذجيا من كافة الوجوه ، وصالحا لكل مدينة إسلامية مقبلة . الحقيقة أن المصادر تطرح علينا مشاكل . كيف نتمثل الأسواق المبنية ؟ هل نتصورها صفوفا من الدكاكين المسقفة على حافة سكك غير مسقّفة ، إذا ما اعتمدنا قول البلاذري
--> ( 1 ) أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 239 . روى أن زيادا أمر بتسقيف دكاكين البصرة : المرجع نفسه ، ص 220 . ( 2 ) كتاب البلدان ، ص 311 ؛ الطبري ، ج 5 ، ص 258 . ( 3 ) فتوح البلدان ، ص 276 . ( 4 ) فتوح البلدان ، ص 284 . ( 5 ) كتاب البلدان ، ص 311 . ( 6 ) Massignon , op . cit . , p . 49 . ( 7 ) الطبري ، ج 1 ، ص 615 و 630 .